الخلود

تاريخ النشر: 20/09/13 | الكاتب: | القناة: لـقـاء الفكرة و الإبداع | التعليقات: 2 | 3٬518 قراءة

 

هل سيكون هناك أي معنى أو قيمة لحياتنا إذا علمنا أنها حياة دائمة و خالدة ؟

سؤال استوقفني .. و جعلني أتأمل و أتفكر

و بدأت الحروف تستجمع قواها و  بدأت الخواطر تتوارد فجاءت فكرة الخلود و تلتها فكرة الموت و لم يكن للموت معنى أمام فكرة الخلود فكلنا نعلم أننا سنموت و لكن كيف و متى و أين .. لا نعلم .. وحده الله سبحانه و تعالى يعلم

و طالما أننا جميعا ندرك هذه الحقيقة فهذا يعني أننا ندرك تلك الحقيقة الأخرى و هي

 أن هناك حياة خالدة و أبدية لابد أن نعمل لها و أن نرسم اهدافنا و خططنا من أجل أن ننال الثواب فيها

و نفوز بالجنة

إنها الجنة التي هانت أمامها إبتلاءآت عظيمة و رخصت لأجلها نفوس غالية  

و هذا يعكس مفهوما واضحا لمعنى الحياة الدنيا التي اغرقتنا في مشاغل و آمال سرقتنا

و جعلتنا نتكلم و نحلم و نركض لنحقق المزيد و نثبت من نحن و من نكون

و كيف نحيا لنرضي الله و نرضى عن أنفسنا و يرضى عنا الناس و وسط كل هذا الزحام

و هذا الضجيج ننسى ذلك الفهم الواضح لمعنى الحياة ..

ببساطه  إن ما نسمعه و ما نشاهده من حوادث و كوارث و جثث القتلى و غيرها من أمور تجعل من يتفكر يتساءل و ماذا بعد ؟

أتفق مع من يقول أن هذه الأمور من طبيعة الحياة الدنيا.. فإن لم تكن من طبيعة الحياة الدنيا فماذا تكون  ؟!

لكن السؤال ماذا عنك أنت ؟ كيف ترى المشهد و ماذا أعددت و بأي منظار ترى الدنيا

سأعرض لك مشهدا تاريخيا لتعيش معه بعدا آخر ..

يقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخبر ليلة الإسراء أنه كما قال: “فلما كانت الليلة التي أُسْرِيَ بي أتت علىَّ رائحة طيِّبة ، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها

” قلت و ما شأنها وبينما هي تمشِّط بنت فرعون –وهو الذي يقول: أنا ربكم الأعلى- وإذا بالمِدْرَى يسقط من يديها، -المشط أو المِفْرَق التي تفرق به الشعر يسقط من يديها-، ويوم سقط من يديها قالت: باسم الله –وقد كانت تخفي إيمانها قبل ذلك- فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: باسم الله ربي، ورب أبيك، وربك رب العالمين جميعًا، فقالت: إذاً أخبره بذلك، قالت: افعلي، فذهبت وأخبرت أباها، فجاء في تكبُّره وتجبُّره، ووقف عندها، وقال: أو إنَّ لك ربًا غيري؟ أو إن لك ربًا غيري؟! قالت: ربي وربك ورب الجميع رب العالمين سبحانه وبحمده، فاغتاظ، وقال: أما أنت بمنتهية؟ قالت: لا، فقال: إذًا أعذب أو أقتل، قالت: (اقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا) فانطلق يعذِّبها، أوتد يديْها ورجليْها، وصنف عليها أنواع العذاب، فكانت تمزج حلاوة إيمانها بمرارة العذاب، فتطفو حلاوة الإيمان على مرارة العذاب، فتشتاق وتقول: إنما هي ساعات، وإلى جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. يرسل عليها العقارب لتلسعها علَّه أن يصل إلى قلبها، ثم يقول: أما أنت بمنتهية؟ فتقول: ربي وربك الله رب العالمين، فيعود ليرسل عليها الحيَّات لتنهشها، ثم يقول: أما أنت بمنتهية؟ فتقول: ربي وربك الله رب العالمين، ينوِّع عليها العذاب، ويصنف عليها ذلك، وهي راسخة بإيمانها وعقيدتها، قد علمت إنما هي سويعات، ثم تعود إلى الله –عز وجل- فماذا حصل؟ قال: إذاً أقتلك وأحرقك بالنَّار، قالت: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فأمر ببقرة من نحاس، قيل أنه قدِر على صورة بقرة، وقيل: إنها بقرة أُذِيبت، ثم جيء بها وبأولادها ليقفوا على طرف هذه النار، يقف على طرف هذه النار، ثم يأخذ واحدًا من أولادها، وقبل أن يأخذه قالت: لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي مع عظام أولادي، ثم تدفننا في ثوب واحد، قال: ذلك لك علينا من الحق ، ثم رمى الولد الأول فوقفت ، فوقف أخوه الثاني وقال: اصبري يا أماه، فإن لك عند الله كذا وكذا إن صبرت، ثم رمى بالثاني، فقال الثالث: اصبري يا أماه؛ فإن لك عند الله كذا وكذا إن صبرت. ويرمي بهم واحداً بعد الآخر، وهي تقول: ربي وربك الله رب العالمين. لم يبقَ سوى طفل على ثديها رضيع لم ينطق بعد في شهوره الأولى، فما كان منها إلا أن ترددت أن تلقي بنفسها مع أولادها من أجل هذا الرضيع، ويشاء الله، فيطلق الثدي وينطقه الله الذي تعبده؛ ربها ورب كل شيء، فيقول: يا أماه اقتحمي؛ لَعذابُ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فتقتحم مع طفلها لتلقى الله- عز وجل-، راسخة ثابتة بإيمانها؛ فعليها رحمة الله ورضوانه. لم يقف الأمر عند ذلك، بل كانت [آسيا بنت مزاحم] زوج فرعون، والتي ربت [موسى] –صلوات الله وسلامه عليه- والتي قالت: (قُرَّتُ عَيْنٍ لي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) كانت تراقب الموقف وهي مؤمنة، ولم تعلن إيمانها بعد؛ خوفًا من أن يفتنها عن دينها، ولما رأت من الماشطة ما رأت، فقوي في قلبها إيمانها، وتعلقت بربها؛ رب العالمين. فجاء إليها ليخبرها متبجحًا وقد علمت ما حصل، فقال: فعلت بالماشطة كذا وكذا، فقالت: الويل لك، ما أجرأك على الله! الويل لك ما أجرأك على الله! الويل لك، ما أجرأك على الله! قال: لقد اعتراك جنون الماشطة، قالت: بل آمَنْتُ بالله ربي ورب الماشطة، وربك رب العالمين. آمنت بالله رب العالمين، فذهب إلى والدتها، وقال: لأذيقنَّها ما ذاقته الماشطة أو لترجع، فجاءت أمها –برحمتها وشفقتها عليها- تعرض عليها أن تتنازل عن دينها –وهي إنما تتنازل عن الجنة التي عرضها السماوات والأرض- فماذا كان منها؟ قالت: يا أماه أما أن أكفر بالله، فوالله لا أكفر بالله، عندها بدأ في التعذيب، أوتد يديْها ورجليها، وعرَّضها لأشعة الشمس، ووكَّلَ من يعذبها يصنف عليها أنواع العذاب ويقول: أما أنت بمنتهية ؟ فتقول: لن أنتهي حتى ألقى الله –أو كما قالت- فيأتي بعد ذلك، ويقول: لأرمينك بكذا وكذا من الصخور – يهدِّد – قالت: لا أرجع عن ذلك أبدًا، فماذا يحصل بعد ذلك؟ كان الذين يعذبونها في حرارة الشمس ينصرفون عنها ويذهبون بعيدًا عنها؟ فإذا ذهبوا، نزلت الملائكة لتظلَّها بأجنحتها، ثم يرجع إليها ويعرض عليها مرة أخرى، فترفض فيرمي بالصخرة عليها لتلقى الله –عز وجل- ثابتة بإيمانها. ( انتهى المشهد )

 

السؤال الآن …

ما سر ذلك الثبات ؟

إنه اليقين بما عند الله

يقين أن الخلف والعوض من الله رب العالمين

يقين بأن الله يثبت المؤمنين

والمرء إذا أصابته المصيبة يأتيه الشيطان من كل صوب و منفذ لكي يخيب ظنه بالله،

فتدور الوساوس في خلده و تشتعل في أذنه كلمات المثبطين القانطين

ولكن الله لن يخيب من أحسن الظن به أبدا ..

فما هي علامات اليقين بالله و ما هي دلائله ؟

إنها علامات تسكن في قلبك .. نعم .. كما ذكرها العلماء

الدليل الأول حين تصبح و تمسي و حب الله عامر في قلبك لا حب يعلو فوق حبه و ليس في قلبك خوف من أحد سوى الله عز و جل

أما الثاني فهو أن يجعل الإنسان الآخرة نصب عينيه. و أنه حتما سيلاقي الله .

و لكن كيف يكون ذلك ؟

إن مجرد أن ترسم في مخيلتك صورة هذه الحياة كما رسمها رسولنا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم و كما جاء في الحديث { مَالِيَ وَلِلدُّنْيَا ، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ فَتَرَكَهَا }

هذه الصورة تبين عمق المعنى الحقيقي للدنيا

حينما ترسخ تلك الصورة في مخيلتك و تستشعر معناها الحقيقي و أنت تستمع لقول الله عز و جل جلاله ..

                        وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  [البقرة:45-46].

حينها تفكر كيف ستلقى الله ..

*

مع تحيات نورالهدى التركستاني  

الحقوق محفوظة للكاتب و المدونة

التعليقات:

  • 1. حمد :

    اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة

    بُورِكت

  • 2. هنيدة شفي :

    سبحان من عز جنده ، سبحان المتفرد بالوحدانية ، سبحان المتفرد بالعبادة يذل الجبابرة والمتكبرين في قعر ديارهم
    فلا ذل و إهانة اشد على المكتبر المتجبر من ان يعلن عليه الضعيف المسكين العصيان فيخلعه ويكفر به
    ” لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ” .
    صدق الله العظيم .

أكتب تعليق:


+ 9 = 17